مواقع صديقة

المــوروث الشعـبي في أدب الأطــــــفـــال بين السلب و الإيجاب

انتباه، فتح في نافذة جديدة.PDFطباعةأرسل إلى صديق

التحديث الأخير (الثلاثاء, 30 تشرين2/نوفمبر 1999 00:00)الكاتب: Administratorالخميس, 10 آذار/مارس 2011 21:42

المــوروث الشعـبي في أدب الأطــــــفـــال بين السلب و الإيجاب


بقلم: محمد البدوي



 

لعب التراث دورا أساسيا في أدب الأطفال ، لا تكاد تخلو منه دراسة أو ندوة تتصل بثقافة الطفل . و يعود السبب الرئيسي إلىاعتماد كتّاب القصة الموجهة للأطفال على التراث بدرجة أساسية . و نستطيع أن نسحب هذا الاستنتاج على أغلب ما كتب للأطفال في كلّ الأقطار العربية . واسمحوا لي أن أتحدث في هذه المداخلة عن نموذج من هذه الأقطار هو " تونس " بعيدا عن كلّ نزعة إقليمية  و يعود ذلك بدرجة أساسية لمعرفتي القريبة بالانتاج المكتوب للأطفال فيها أكثر من غيرها .

إن الحديث عن الموروث الشعبي يدخل في باب الحديث عن مصادر الكتابة للطفل ، وهي عديدة. و يمثل التراث أهمّ رافد غذّى خيال الكتّاب لسنوات عديدة . واستهلكته الأقلام بشكل مبالغ فيه أحيانا فتجد نفس القصّة عند  عديد الكتّاب  تختلف أحيانا في بعض التفاصيل كأن تكون عند كاتب " سلحفاة تطير " و عند آخر " ضفدعة تطير " و الأحداث واحدة و أحيانا أخرى لا تتجاوز الاختلافات مستوى التعبير .

و يتحتّم علينا في بداية عملنا تحديد المصطلحات لنضبط حدود الموروث الشعبي .

جاء في دراسة للأستاذ " أحمد سويلم " تحت عنوان ( الموروث الشعبي في أدب الأطفال)[1] قوله في تعريف المصطلح : " اختلف العلماء المهتمون بدراسة الموروث الشعبي في تعريفه ..و بعيدا عن هذا الاختلاف فإن الموروث يحمل في ثناياه الملامح النفسية و الفكرية للمجتمع الكبير في أي عصر من العصور ..وهو الذي يصوغ الاطار العام و يحدّد العلاقات و يضبط السلوك بين الفرد والجماعة - صغيرة كانت أم كبيرة - وهو في جملته التراث الذي يعني الثقافة أو العناصر الثقافية التي تلقاها جيل بعد جيل وانتقلت من جيل إلى آخر ..و تدلّنا على ذلك تلك التفسيرات المختلفة التي تدور حول التراث و منها :

* التراث الشفوي : ويعني جميع جوانب الموروثات الثقافية التي انتقلت شفويا ..

* الابداعات  الأدبية الشعبية ..و تشكّل جانبا هاما من جوانب التراث الشعبي و تمثّل السير الشعبية و الحكايات و الأغاني و الشعر و الألغاز و غيرها

* التراث الشعبي و يمثل بصفة عامة الموضوعات التي تنتمي إلى الفولكلور ..و إلى دراسة التراث أو الابداع الشعبي . "

و إذا كان هذا التعريف الذي قدّمه أحمد سويلم يفي بالحاجة في المستوى النظري فإنه في مستوى التطبيق خلط بين الموروث الشعبي و التراث الأدبي و التاريخي . فبعد أن تحدث عن عنترة و سيف بن ذي يزن و أبو زيد الهلالي و علي الزيبق و الظاهر بيبرس و حمزة البهلوان ...إلخ أضاف إلى هذه المدوّنة أعمالا أدبية و إن كانت مشهورة إلى حدّ كبير فهي ليست من الموروث الشعبي في أيامنا و لعلّها كانت كذلك  زمن ظهورها : يقول أحمد سويلم : " لم يتوقف الموروث الشعبي عند هذه الأشكال بل هناك  أيضا عملان كبيران يمكن أن يكونا أهمّ مصادر أدب الطفل و هما ألف ليلة و ليلة و كليلة و دمنة " .

إن هذه الحيرة و هذا الخلط هما اللذان دفعانا إلى ضرورة التنبيه إلى أن المقصود بالموروث الشعبي هو ماجاء في التعريف النظري الذي قدّمناه . و سيقوم عملنا على تحديد خصائص الموجود في هذا الموروث لنمرّ إلى الحديث عن المنشود  الذي سواء ما كنّا ننوقّع وجوده و لم تفرزه المدوّنة  أو ذاك  الذي نطمح إلى أن نرى كتّابنا يقبلون عليه .

1 ـ خصائص الموجود في الموروث الشعبي

إن المتأمل في مدوّنة أدب الأطفال في تونس يستنتج منذ البداية حضورا مكثفا للتراث الأدبي و التاريخي غطّى إلى حدّ ما مصادر الكتابة الأخرى فلا يكاد يوجد كاتب لم يركب صهوة ألف ليلة و ليلة  أو اجتنب كليلة و دمنة  أو لم يصاحب في نصوصه بخلاء الجاحظ و أبطال المقامات ... وتمّ نسج قصص على منوال ما جاء في هذه المدوّنة حتّى خلنا قصّة الأطفال تعادل أية حكاية على ألسنة الحيوانات  .

و بحثت شخصيا عن القصص التي أثثت أسمار صبانا و تناقلتها جّداتنا و أمهاتنا جيلا إثر جيل و سمعناها في لهجاتنا موشاة بالأمثال و الحكم و المواويل ... فما عثرت على محمد ولد السلطان  و لا على  رأس الغول... بل عثرت على أشياء قريبة منها لكنّ مصادرها واضحة في  "ألف ليلة و ليلة ". ووحده المرحوم عبد العزيز العروي حفظ الموروث الشعبي بلغته الأنيقة وطرافته المعهودة . و لعل اجتناب الكتّاب النهل من هذا المعين يعود إلى استسهالهم النقل من مصدر أدبي في لغة فصيحة . و بقيت الأعمال التي اعتمدت الموروث الشعبي قليلة بالنسبة إلى الكمّ الهائل من الانتاج الموجه للأطفال .

و لأن عدد القصص الشبيهة بأمي سيسي و غيرها قليل ،  اعتبرت في هذا الباب كلّ القصص المنزلة في إطار شعبي من غير أن تكون تابعة إلى مصدر أدبي مشهور . فبعض القصص تختلط بالخرافي لكنّ الرسوم المثبتة  عليها تنزّلها في إطار حضاري عصري ...و قصص أخرى يغيب فيها كلّ تحديد زماني أو مكاني فاعتبرنا الجانب الشعبي فيها  بمدى قربها من قضايا الناس وشواغلهم

و لا بدّ في هذا الجانب أن أنوّه بالدور الذي لعبه الأستاذ محمد الدواس في توظيف الموروث الشعبي . و قد قام بهذا الدور أكثر من غيره في قصص تتفاوت جودتها لكنّها نابعة من التراث الشفوي مع بعض التصرف أملته الظروف التاريخية لكتابة تلك القصص.

و القصص التي استفادت من الموروث الشعبي تعاملت معه بطريقة عفوية غير مدروسة لهذا حضر هذا التراث بشكل إيجابي حينا و سلبي حينا آخر .

أ ـ الجوانب الإيجابية في الموروث الشعبي :

تتعدّد الجوانب الإيجابية في الموروث الشعبي الذي وظفه الأدباء في كتابتهم للأطفال . و قد يبدو الأمر بديهيا لأن الهدف من الكتابة  يسعى بدرجة أولى إلى تهذيب النشء و غرس مجموعة من القيم التي اتفق المجتمع على إيجابيتها . و يمكن حصر هذه القيم الإيجابية في ثلاثة محاور تدور حول العلاقات الإجتماعية و العلاقات مع المحيط و تمجيد عدد من القيم النبيلة .

أ 1 = العلاقات الإجتماعية :

تسعى القصص التي وظفت الموروث الشعبي إلى ترسيخ دعائم الأسرة باعتبارها نواة المجتمع و عموده الفقري لهذا كانت تصوّر جمال الحياة في ظل العائلة المتماسكة :

الإخوة : تبدو الحياة بين الاخوة في وئام و لا حديث عن ما قد يطرأ عليها من تنافس  أو  اختلاف  قد يؤدي في بعض الأحيان إلى خصام . و العناوين التي تحدثت عن الوئام كثيرة .

الحماة : قصّة ( خلخال عائشة للطيب الفقيه أحمد ) يبرز وقوف الأم إلى جانب ابنتها ودعوتها إلى أن تقف إلى جانب زوجها و تعينه على أعباء الحياة بالخلخال و تساعد هي بالمال : "يا عائشة اتركي خاخالك عندك و لا تفرّطي فيه أبدا , و أنت يا حسن خذ هذا المال واشتر شباكا جديدة ثم عد إلى عملك كما عهدناك و الله في عونك . شكر حسن حماته ...إلخ

الأمّ : إضافة إلى الأم في قصّة خلخال عائشة نجد في قصّة الزير المغلق لأحمد الكسراوي تمجيدا لنضال الأم في سبيل أبنائها : مرت بها الأيام بطيئة وهي تكدح و تغالب الدهر و قسوته ، تجوع لتطعم ابنها و تتعرّى لتكسوه أحسن الثياب و تحرم نفسها لئلا يشعر بالحرمان حتّى ذبل جسمها و ضعف بصرها وانهدّت قواها ...(ص3)

التشاور في العائلة :في قصّة العبّيثة لمحمد الدواس يستشير الأب أبناءه قبل أن يقوم بإهداء كبش العيد إلى الجارة الفقيرة الأرملة و أبنائها و يوافق الأولاد على الأمر

أما في مستوى الحياة الإجتماعية فإن الكلمة تكون للقيم التي تساهم في خلق مجتمع منسجم يسوده التضامن الإجتماعي :الجزء الأول من قصّة عرس حمّة ثمّ العبّيثة(في الأعياد)  لمحمد الدواس

التراحم و إيثار الغير : قصّة العبيثة للدواس و قصّة الأمير صفاء (سلسلة طالع لتوفيق زليلة)

دعم فعل الخير بدون مقابل : قصّة  عمّ سعيد السنفاج للعروسي المطوي

أ 2 = العلاقات مع المحيط :

يبدو الوعي بقيمة المحيط محدودا و جديدا فأغلب القصص التي تعطي أهمية للحفاظ على البيئة حديثة الكتابة و تندرج ضمن الحملة الوطنية للتحسيس بأهمية البيئة و المحيط . و قد صدرت في هذا المجال قصتان لا ينتميان بالضرورة للموروث و لكن نذكّر بهما لأهميتهما في الحياة الاجتماعية :حسن و البحر (موضوع تلويث البحر بالنفايات و البلاستيك و خطر ذلك على السلاحف )  و قصّة لبيب

لكن الجانب الاجتماعي الموروث يتمثل في الرفق بالحيوان : قصّة أمّ العصافير (سلسلة مكتبة الجيب للمنوبي سعيد و محمود و عبد الله  بدر الدين ) و قصّة اليد الملعونة للطيب الرصاع.

أ 3 = تمجيد القيم :

لا تستقيم الحياة الاجتماعية دون أن يصحبها إيمان بعدد من القيم النبيلة تدفع الإنسان نحو عالم أفضل . و من هذه القيم نجد :

العمل : قصّة : الحسود لا يسود لدارالمعرف سوسة و قصّة الإخوة الأربعة (سلسلة قصّتي )

الأمانة : قصّة المحفظة المفقودة لعلي الشرفي ...

الطموح : و القصص التي تركز على نجاح الأطفال كثيرة ، ومن شأنها أن تعطي للطفل إيمانا بقدراته الذاتية ، و ثقة في النفس تدفعه إلى المغامرة كما يفعل أبطال القصص من الأطفال .

ففي قصّة : الشاب الجسور لعيسى قويرح يتمكن الطفل من الانتصار على تنين عجز عنه والده و مات دونه .

و يمكن أن نجد إلى جانب هذه القيم قيما أخرى قريبة منها تساهم معها في تهذيب الطفل وصقله و جعله يؤمن بنفسه و بالآخرين و يسعى في طلب الخير للجميع .

و لكن هذه الجوانب المضيئة في الموروث الشعبي يجب أن لا تنسينا بعض ما فيه من السلبيات نذكرها في ما يلي :

ب ـ الجوانب السلبية في الموروث الشعبي :

إن هذا الجانب ينقسم إلى بابين الأول نقدي و الثاني سلبي محض

ب 1 = الجانب النقدي :

ترددنا في وضع هذا القسم في هذا المكان لأنه الوجه المقابل للقسم السابق و هو إلى الإيجاب أقرب منه إلى السلب لأن الهدف منه نقدي و إن ركّز على الصورة السلبية في المجتمع وعلى جانب الشرّ في الإنسان و الغاية من ذلك دفع  القارئ إلى النفور منه و إلى أن يتجنبه و لا  يسعي إليه نظرا لعواقبه الوخيمة كما تبرز ذلك خواتم هذه القصص.

و تركز هذا الجانب النقدي على العلاقات الإجتماعية و أبرزت القصص الشعبية جحيم الحياة العائلية حين تفسد العلاقة بين أفرادها :

الكنة و الحماة :

(قصة الزير المغلق لأحمد الكسراوي ) : لكن الأيام لم تتوال بعد الزفاف كما أرادتها الأم إذ سرعان ما تنكرت لها زوجة ابنها التي رأت فيها قيدا لحريتها و شريكا لها ينازعها الاستئثار بحبّ زوجها واهتمامه فعملت جاهدة على أن تبعد هذه العجوز عن بيتها (ص5)

(قصة ابنة ملك الجان لمحمد الدواس ):  منذ ليلة عرسه رأى الحبيب سلوك أمه أخذ يتبدل نحوه فصارت تقابله بالعبوس و تعامله بالقسوة و تعدّ هفواته و تغضب لأتفه الأسباب فتمسك عن المأكل و تلزم غرفتها ...فلمّا أعياه أمرها أرسل إليها بعض الجيران ليتعرّفوا عن سبب غضبها فأعلمتهم بأنها غير راضية عن سلوكه نحو عروسه التي أصبح يتودّد إليها و يهاديها و يكثر الاهتمام بها دون غيرها و أكدت لهم أنها لا ترضىعليه إلا إذا طلّقهاوطردها إلى دار أبيها (ص4).

امرأة الأب(محمد الدواس ) : ولدت سلمى بنية فتبدّل سلوكها و شرست أخلاقها وفسدت طباعها و تحوّل كل مل فيها من خير عميم إلى شرّ مستطير فأصبحت لا تعامل ربيبيها إلا بالغلظة و القسوة فتضربهما بالعصا ضربا مبر‏ّحا و تحرمهما المأكل و المشرب و تكلفهما بأعمال شاقة وتسبّهما و تعيّرهما و تقلّل الرحمة على أمّهما .(ص4)

الزواج بالأجنبيات : قصّة الفأر المعجب بنفسه لمحمد الدواس

الطلاق : (دون موجب) ابنة ملك الجان : وصل إلى قريته  فذهب إلى دكّان عدلين وأشهدهما بأنه طلّق زوجته سعادا ثم استصحبهما إلى داره و سلّم لها جميع جهازها و دبشها وطردها إلى منزل أبيها وهي مدهوشة باكية لا تعرف أسباب هذا الطلاق و لا موجب هذا الفراق(ص8).

و هل تستقيم حياة اجتماعية إذا كان الناس يتبادلون فيها المقالب : بعض قصص جحا ، ثمّ قصة عرس حمّة لسالم الشعباني

إضافة إلى انتشار أمراض أخرى كالدجل و الاحتيال :

قدوّر الدجال  لمحمد الدواس و قصّة عبثه بالأولياء الصالحين و تقمّصه دور عبد القادر الجيلاني ليبتزّ الناس أموالهم و عرضهم و يبثّ التفرقة .

الغدر :    قصّة اليد الملعونة للطيب الرصاع

والحسد : قصّة الحسود لا يسود . سلسلة قصّتي لدار المعارف بسوسة

و الطمع : قصّة : زوجة الصيّاد .    =           =                = أو : اليد الملعونة

و الغرور : قصّة الفأر المعجب بنفسه لمحمد الدواس

و الغش : قصّة المتسولة لمحمد الدواس

ب 2 = الوجه السلبي :

إن الموروث الشعبي ينتمي إلى فترات قديمة في الزمن طبعت هذه القصص بخصائص تلك العصور و ما ميز الحياة الفكرية فيها . و قد تكون هذه القصص من نسج أكثر من خيال لكنّ كتّاب اليوم لم يسعوا إلى تهذيبها فحضرت بعض الجوانب السلبية تحت ستار تنمية خيال الطفل .

ففي مستوى الفكر لا أحد ينكر قيمة الخيال وما توفّره القصص العجائبية من متعة للصغير والكبير دليلنا في ذلك ألف ليلة و ليلة و كليلة و دمنة .

لكن الموروث الشعبي الذي تسرب إلى قصص الأطفال مليء بالخوارق و بالسحر والأعاجيب التي لا يقبلها عقل أو منطق .وخطرها يكمن في تكريس ظاهرة الإيمان بالسحر والشعوذة  في عصر يؤمن فيه أصحابه بالعلم وطموحنا أن يساهم أبناؤنا في النهضة العلمية :

* امرأة الأب (محمد الدواس):

"لما وصل السلطان إلى قصره أحضر السحرة و المنجمين و أمرهم أن ينظروا في أمر العجلين. فاجتمع المنجمون و فتحوا كتب الحكمة و السحر و نظروا فيها جيدا فتبين لأحدهم وهو كبيرهم أن العجلين كانا طفلين من الجنس البشري و أنهما مسحوران و مقهوران و أنه يستطيع أن يردهما إلى أصلهما البشري و أن يرجعهما غلامين كما كانا من قبل ".(ص15)

* "أضرم الشيخ نارا حامية و أخذ يبخّر و يرقص و يتمتم و يذكر أسماء الجنة و يقرأ الطلاسم حتّى استطاع أن يحضر الشيطان و زوجته وابنته بين يديه و بعد أن تهكم عليهم و سخر منهم أضرم فيهم نارا و أحرقهم و حرّر مياه العين من شرهم و عدوانهم " (ص17)

و غير بعيد عن هذا نجد شخصيا القصص تتحول أحوالها بصفة مفاجئة :

فحمّة في قصة سالم الشعباني نكتشف أنه أصبح من الأثرياء بقدرة قادر دون تمهيد أو تفسير سوى أنه كان ضحية مقلب من سكان القرية و لم يذكر المؤلف له خصلة إيجابية ظاهرة تؤهله ليلعب دور هذا الغني المفاجئ .

أما الملك في قصة إمرأة الأب فتتحول مواقفه بكل بساطة لا يقبلها منطق القصّ  :

استجاب الملك لرغبة الشعب و أمر شرطته بالبحث عن امرأة الأب فلم يدم بحثهم طويلا حتّى جاؤوا بها مقيدة بالسلاسل و قدّموها للمحاكم ذات النظر فحكموا عليها بأن تقطّع أربع قوائم و يلقى بلحمها إلى الكلاب ...لمّا جاء يوم تنفيذ الحكم ..حدث أمر عجيب لم يكن يترقبه الجمهور و ذلك أن اليتيمين وقفا من أعلى المنصة و صاحا : أن أعف أيها السلطان عن أمنا سلمى فالعفو أنجع دواء للقلوب المريضة و هو من شيم الكرام . فأمر السلطان بالعفو ففكّت قيودها وأطلق سبيلها فارتمى عليها الغلامان و أشبعاها لثما و تقبيلا فضجت الخلائق و عمّهم سرور ممزوج بالبكاء و تعالت الأصوات و الهتافات بحياة السلطان و حياة اليتيمين و حياة الشعب..."(ص24)

أما في الحياة الإجتماعية فإن بعض القصص تسكت عن بعض الشخصيات و هي تقبل المال الحرام و كأنها تبرره و لا تندد به . ففي قصة أمي سيسي لمحمد الدواس :

* تغفل القطّ المرابي واختلس منه حزمة أوراق مالية بها خمسمائة دينار و فرّ بها هاربا وأخذ يجري و الملف في فمه من زقاق إلى زقاق و من شارع إلى شارع حتى وصل إلى دار سيسي ... فرح سيسي و سرّت أمه بهذا المال الوفير و قبّلا القطّ بين عينيه واتخذاه أنيسا لهما ...أما الأموال ففتح بها سيسي متجرا كبيرا في جزيرة جربة و عمّره باللعب و الكتب فربح أرباحا هائلة. (ص16)

أما شخصية جحا فصارت نمطية لا تخرج عمّا اشتهرت به من غباء و سذاجة :

* انظر سلسلة صورة و قصّة للمنوبي سعيد و عبد الله بدر الدين و محمود بدر الدين ..إلخ

و غير بعيد عن جحا التي كتب فيها كثيرون يضيق المجال عن ذكرهم وُجدت قصص شبيهة بقصص جحا  حملت أسماء أخرى مثل سلسلة  نوادر شهلول وبهلول  للشاذلي بن زويتين . أو سلسلة بحبوح وهي من تأليف محمد الفتني و محمد التومي(12عنوانا) .

والغريب أنّ شخصية بحبوح ارتبطت بالريف و كأنّ هذه القصص  صورة من المسرح الذي شاع في بعض السنوات ليكون فرصة يضحك فيها أهل الحضر من الآفاقيين و القرويين الذين يذهبون إلى المدينة فيسخرون من سذاجتهم و بداوتهم .(المسرح الفكاهي باللسان الدارج).

و النمطية يمكن أن نجدها في الشخصيات الإيجابية . فالكتّاب غالبا ما يسعون إلى رسم صور ثابتة و نماذج قارة لا تتغير فالشرير يبقى دوما شريرا . و الخيّر يحوز كلّ الصفات الايجابية وكاّنه يرتقي إلى صفّ الأبرار و الملائكة الأطهار ، دون أن يكون للمجتمع أدنى تأثير سلبي عليه . و قد يصطدم الطفل بالمجتمع  حين يجد أن هذه الصور التي اعتادها في القصص غير مطابقة للواقع .

و المتأمل في باقي الانتاج الأدبي الموجه للأطفال سواء ما كان مكتوبا انطلاقا من التراث الأدبي أو من خيال المؤلف أو من صميم الحياة اليومية فإنه سيدرك أنّ‏ هذا الأدب يشترك مع الموروث الشعبي في عدد وافر من هذه القيم .


2 ـ ـ خصائص المنشود  في أدب الأطفال :

بعد الحديث عن الموجود من الموروث الشفوي في أدب الأطفال نحاول أن نلمّ بشتات الصورة عبر ذكر ما ينقصها سواء ما كان مفقودا أو ما كان منشودا .

إنّ القصص التي استفادت من الموروث الشعبي قليلة نسبيا ؛ و لم نستطع أن نجد فيها القصص التي تناقلتها الأجيال و حفظتها المدوّنة الشفوية . و إذا كان عبد العزيز العروي استطاع أن يبعث الروح في القصص الشعبي بأسلوبه البديع و روحه المرحة فإن الكتّاب الذين أنتجوا للأطفال اجتنبوا استعمال الدارجة حتّى لا يزعج ذلك لغة التلميذ و هم يسعون إلى جعل القصة جهازا بيداغوجيا مكمّلا لما يتعلمه في القسم .

و ليس غريبا أن ينشأ جيل جديد لا يعرف الأمثال الشعبية و لا الأغاني و المواويل لأنها لم توظّف في القصص و بقيت حكرا على تراث شفوي يتضاءل يوما بعد يوم فالتلفزة قطعت مع الأسمار .و صارت الصور المتحركة المستوردة تملأ فراغ الأطفال و تشغل بالهم .

فهل يأتي يوم نرى فيه كتّابنا يقبلون على  الأمثال الشعبية و الأحاجي و الألغاز و ألاغاني المشهورة و يجعلوا لها قصصا طريفة تمزج بين الفصحى في السرد و العامية في الأقوال ، بعيدا عن الأهداف الإيديولوجية؟

لقد قام البعض بنشر قصص عبد العزيز العروي في عدّة أجزاء ، و لكن هذا العمل كان توثيقيا بحتا يفيد الباحثين أكثر من غيرهم و وقع تدوينه بلهجته التونسية (لهجة العروي ) و لا يرقى إلى مستوى أدب الأطفال.

فالمطلوب هو إنتاج أدب فصيح يستفيد من الموروث الشعبي و يوثقه حتّى لا يغيب عن أذهان الصغار في مختلف المستويات فللمكتوب سحر و تأثير أكثر من سحر الشفوي و تأثيره.

أما الجانب الآخر المتّصل بهذا الموضوع  فهو جانب المنشود في أدب الأطفال .فمن الضروري أن نحتفل  بالقيم الإيجابية  و ندرس القصص ونصنّفها حسب الأعمار [2]، لنسهّل الأمر على الأولياء الذين يجدون عناء في تمييز الكتب حسب الأعمار .و نادرة هي الكتب التي تحترم هذا الجانب و لعلّ الجانب التجاري هو المتحكّم في الأمر.

بما أن الأطفال لهم ميل فطري إلى حب المغامرة والتجنيح مع الخيال و الخوارق عبر  قصص الأعاجيب و الخرافات [3] فيجب أن يعضد هذا الاتجاه  حضور مكثف للجانب العلمي سواء ما كان استشرافيا كقصص الخيال العلمي وهي قليلة الحضور . أو الانطلاق من الحياة اليومية  لتبسيط عدد من الظواهر العلمية  التي يحتاجها الطفل .و لا بدّ من التنويه بما قام به قاسم بن مهنّي في هذا المجال في السنوات الأخيرة (مثل السلسلة المفيدة= 14 عنوانا: إحياء قرية ، مقياس المطر ، زهرة الكبريت ، حياة النبات ، المهندس الصغير ، آمال و أحلام ....إلخ).

إن ندوة كهذه من شأنها أن تقدّم إضافات هامّة للمشتغلين بأدب الأطفال . و قد آن الأوان كي يأخذ النقد  التطبيقي حظّه . و من شأن هذه العملية أن تساهم في غربلة الإنتاج الغزير حتّى يعرف الناشرون أي كتاب يعاد طبعه و أيّ كتاب يستغنى عنه ، و يعرف الأولياء أيّ نوع يختارون لأبنائهم . و يمكن للمؤسسات العلمية  و لرجال التربية أن يساهموا في مثل هذه العملية النقدية حتّى تصبح سنّة و مرجعا يكرّس الأحسن و يرتقي بالإبداع إلى خير السبل 0.

محمــد البدوي

( كلية الآداب ـ القيروان )

 


[1] - أحمد سويلم :  الموروث الشعبي في أدب الطفل  . مجلّة " القصّة " العدد 75 - القاهرة  (جانفي _ مارس 1994 )

[2] - نشير في هذا الباب إلى كتابين :

أ = حنا عبد الحميد العناني  : أدب الأطفال دار الفكر للنشر و التوزيع  ط.2 عمّان 1992

ذكرت في الوحدة الخامسة ص.94  اختيار القصّة الملائمة لأعمار الأطفال .و ذكرت 8 تصنيفات .

 

ب = أحمد نجيب  فنّ الكتابة للأطفال ، دار إقرأ ط.2 بيروت 1983 الفصل الثاني " بعض الاعتبارات التربوية و السيكولوجية " . .

[3] -  المرجع السابق ، مرحلة الخيال الحرّ ص.40 و مرحلة المغامرة و البطولة .ص.41  .