مواقع صديقة

حوار مع جريدة الشروف 29 سبتمبر 2011

انتباه، فتح في نافذة جديدة.PDFطباعةأرسل إلى صديق

التحديث الأخير (الجمعة, 28 تشرين1/أكتوير 2011 22:54)الكاتب: Administratorالجمعة, 28 تشرين1/أكتوير 2011 22:43

حوار مع  الشاعر نور الدين بالطيب

جريدة الشروق  29 سبتمبر 2011


1- الاتحاد كان مثل كل المنظمات الاخرى محسوبا على النظام السّابق كيف عشتم هذا التحوّل ولماذا لم تنظموا مؤتمرا على غرار بقية المنظمات ؟
-       صدقت ، فقد كان النظام السابق مهيمنا على جلّ المنظّمات بأشكال مباشرة وغير مباشرة، محاولا امتصاص كل أشكال الرفض والغضب. ومع هذا استطاع الكتّاب التونسيون في المؤتمر الأخير أن يتخلّصوا من وصايا لجان التنسيق وصوّتوا بأغلبية كبيرة للقائمة المضادة للقائمة التي ادّعت أنها وطنية وحاصلة على دعم الرئيس ولم ينجح منها إلاّ ثلاثة أعضاء من عشرة ، وأمام هذه الوضعية قامت مختلف الهيئات بمحاولات التأثير على بعض الأعضاء للوقوف في قائمة التجمّع، وشخصيا لم أرضخ إلى أيّ إغراء أو محاولة تأثير ودامت حصّة توزيع المسؤولية ثلاثة ساعات ولم تنفرج إلاّ باتّفاق كل الأعضاء ، ومع هذا كان لنا أكثر من موقف مشرّف لخدمة الاتحاد وأعضائه. ولم نسع إلى تكريس الفرقة والصراع الداخلي وآثرنا الوقوف مع رئيسة الاتحاد حين كان مهدّدا من طرف وزير الثقافة السابق الذي سعى إلى فرض محمد مواعدة الذي فقد عضويته منذ سنوات عديدة وشغلته السياسة وتقلباتها عن الأدب. وعشنا مواجهة ترجمتها مقاطعتنا لكلمته في مائوية مصطفى خريف في نفطة. ولكن حين قامت الثورة كان الكيل قد طفح لأنّ رئيسة الاتحاد ورّطتنا في أمور عديدة أساءت إلينا ومن بينها برقيات التأييد التي كانت ترسلها دون استشارة أحد من الهيئة وتوريط أسمائنا في قائمات المناشدين وقد كانت وصمة عار في جبين الاتحاد ولا تلتقي مع الفكر الحرّ ولا مع الدستور الذي صار لعبة منذ إقرار الرئاسة مدى الحياة ومنذ التغييرات المضحكة التي أقرّها الاستفتاء المهزلة ... وشخصيا أتحدّى أيّا كان يأتيني بوثيقة أمضيت فيها على المناشدة.  ويجب أن لا ننسى أنّنا سبقنا تاريخ 14 جانفي 2011 وقمنا بتغييرات فرضت نفسها لأنّ رئيسة الاتحاد لم تسر في ركب الثورة التونسية بل كادت تورطنا في برقية تنديد فكان لا بدّ من الإقالة التي تحققت يوم 9 جانفي وإعادة توزيع المسؤوليات ، لهذا لا معنى لعقد مؤتمر استثنائي ما دام فعل التغيير قد تحقق وصارت لنا بيانات مشرّفة في مختلف القضايا الوطنية والقومية. وأنشطة متنوعة تسعى إلى خدمة الكتّاب التونسيين ولمّ شملهم.
2-الاتحاد كان يعوّل في جزء كبير من موارده على منح رئاسة الجمهورية كيف سيستمر الاتحاد الآن ماليا بعد انقطاع هذه المنح؟
-       من المعروف أن المال قوام الأعمال ، وقد كان في العقود الماضية وسيلة ضغط، ورغم غياب المنحة الرئاسية التي كان يتحصل على الاتحاد مثل مختلف المنظمات وهي ليست هبة ولا منة بل حقّ توفّره المجموعة الوطنية. ولم نجد هذه السنة إلاّ المنحة الهزيلة التي تقدّمها وزارة الثقافة مشكورة لتسيير شؤون الاتحاد. ورغم ضعف الميزانية تمكّنا من تحقيق عدّة أنشطة . وفي الأيام القريبة القادمة سيصدر الجزء الأول لديوان الثورة عن دار المسار وهي دار نشر جديدة خاصة باتحاد الكتّاب وستكون لنا ندوة عربية عن "أدب الطفل وأسئلة الحداثة"  بالتعاون مع وزارة شؤون المرأة في أواخر سبتمبر دون أن ننسى الدورة التأسيسية لأيام قرطاج الشعرية في أواخر شهر أكتوبر ، إضافة إلى إنجازات أخرى سنذكرها في وقتها.  وعدّة أنشطة كانت الهيئات السابقة تنجزها بمقابل صرنا نوفّر لها من الوقت والجهد ما يحقق لها وجودها. وليس سرّا أن أقول إنّ حادث المرور الأليم الذي عشته هذه السنة وإن كان قضاء وقدرا فقد كان أيضا بسبب ذهابي إلى المهدية لتقديم جملة من التسجيلات الشعرية الجديدة للصديق المولدي فرّوج ليشتغل عليها  لإنجاز مشروع المكتبة الصوتية للشعر التونسي. ونهدف من خلال هذا المشروع  إلى حفظ ذاكرة الشعر التونسي بأصوات أصحابه وإنجاز جملة من الأقراص وكل هذا بمجهود ووقت ثمين وهو عمل مجاني يحملنا عليه الانتصار للكاتب التونسي.
3-تعددية المنظمات الثقافية أصبحت أمرا واقعا ما هو موقع الاتحاد الآن في المشهد الثقافي؟
-       ما كنّا يوما ضدّ التعدّدية الثقافية ، ونرحّب بكل المنابر والمنظمات التي تريد أن تساهم في خدمة الثقافة الوطنية بعيدا عن منطق الإقصاء والاحتكار. ولكن من الطبيعي أن يختار المرء موقعه في المنظمات التي تتشابه في أهدافها، لا أن تكون له قدم هنا وأخرى هناك ويد في جهة والثانية في جهة مماثلة. فالنقابي  لا يمكن أن يكون في نقابتين في وقت واحد ، والكاتب حرّ في أن يختار الانضمام إلى اتحاد الكتاب أو إلى الكتاب الأحرار أو إلى النقابة الجهوية بتونس أو بأيّة جهة أو منظمة أخرى . ليكون هدف الجميع خدمة الكاتب التونسي بعيدا عن التناحر والتهافت. إننا نسعى إلى تكريس عقلية التنافس لا التناحر والتعاون لا التخوين والمزايدات. ولا ننسى أن اتحاد الكتاب يضمّ أعضاء من مختلف الاتجاهات السياسية والإيديولوجية وهو يتّسع لجميع الآراء ولا نحاسب الناس على آرائهم ومواقفهم وإن كنا نختلف معهم فيها ولكن نحاسب المرء على كلّ فساد مالي أو سوء تصرّف . وطابنا منذ أيام الثورة بكشف قائمات المخبرين وكتبة التقارير البوليسية  في زملائهم ولكن لم يستجب أحد إلى رغبتنا. هذا أمر يُحاسَب عليه الإنسان لأن فيه إساءة إلى الغير وتعدّيا على الحرية والفكر أما المواقف والآراء فلسنا أوصياء على أحد فيها.
4-ماهي طبيعة علاقتكم بنقابة كتّاب تونس وبرابطة الكتّاب الأحرار؟
-       إلى حد اليوم تبدو العلاقة غير واضحة ، لأن جلّ أعضاء النقابة  هم أعضاء في الاتحاد، وهذا أمر لا يستقيم ويجب أن يفصل فيه المؤتمر القادم. كيف يمكن للكاتب أن يكون عضوا في الهيئة المديرة للاتحاد أو أحد فروعه وعضوا في هيئة النقابة أو اتحاد آخر. لا بدّ من الفصل. ولست هنا في موقع مفاضلة بين المنظمات وافترض أن يكون هناك تعاون وتكامل بين الهيئات المديرة وبين الأعضاء . أما الوضعية الحالية فهي غير مريحة رغم تقديري شخصيا  للكثير من أعضاء الكتاب الأحرار ومن النقابيين والأدباء الشبان ويعلم الله كم انتصرت لهم ولإبداعاتهم حتّى صار البعض يتّهمني بتشجيع الرداءة (كتابات الأدباء الشبان) ولو رأى الجمل حدبته لانقطعت رقبته.
5-كيف تقيّم أداء المثقفين بعد 14 جانفي ؟
-       كيفما كان التقييم فواقع المثقف بعد 14 جانفي أحسن بكثير. لأن كابوس الرقابة انحسر ووفّرت التعدّدية السياسية للمثقف فرصة الانخراط في حزب يتبناه ويدافع عنه. اليوم بإمكان المثقف أن يكون صادقا مع نفسه فله مجال فسيح للاختيار، أو حتّى للوقوف على الربوة إن أراد، دون أن يضطهده أحد بسبب آرائه ومواقفه كيفما كانت.وهو ما لم يكن ممكنا قبل 14 جانفي. لقد كان البوليس السياسي هو الحاكم بأمره ولا أخفيك أنّني كنت في كل مرّة أريد تجديد جواز سفري أبقى أنتظر شهورا تبلغ العام وأكثر ولا أحصل على حقّي إلاّ بعد جملة من التدخلات  وذلك بسبب جملة من المواقف والآراء. فاللعنة على كل نظام يسعى إلى التلصص على آراء الناس وأفكارهم.
إنّ  عبارة "المثقف " صارتا غائمة ينضوي تحتها كل من هبّ ودبّ وما أكثر مثقفينا ومبدعينا ، وما أعيبه على البعض منهم هو غياب التواضع العلمي والفكري، فأنت لا تقرأ عند البعض غير عبارات التخوين والحقد واللهفة والجشع على خبزة "القاطو" الوطنية كلّ يريد أن يستأثر بها قبل غيره ويصبح  الفكر مطية لا غاية. وقد يعيب البعض على من انخرط في النشاط مع النظام السابق ، لكنّ لسان حاله نداء صارخ للسلطة القادمة أن أعطوني فرصتي ووظّفوني . ورغم هذه الصورة القاتمة أو الغائمة فأنا متفائل بالضرورة لأن قدري أن أكون متفائلا وإلاّ فقدت الحياة كلّ معنى. فالخير لا ينقطع من هذه الدنيا وهناك مثقفون جديرون بكل التقدير أعطوا الكثير لهذا الوطن دون مقابل. ولا ينقصنا غير التعريف بهم وبإنتاجهم عبر أجهزة إعلامية تؤمن بالعمل الثقافي مقوما أساسيا في حياتنا لا يقل أهمية عن الاقتصاد والسياسة . فالثقافة ليست ديكورا وليست حكرا على النخبة أو نخبة النخبة. إنها غذاء يومي.
6-ماهي الأخطاء التي ارتكبها المثقف والجامعي في العهد السّابق ؟
-       المثقفون والجامعيون الذين تورطوا مع النظام السابق كثر، وقدّموا له أكثر مما أخذوا. ولكنّهم أنواع .
صنف أوّل  سعى إلى العمل مع العهد البائد من باب التقية وإيثار السلامة حتّى لا يتحمّل وزر آرائه وأفكاره أو نشاطه السياسي السابق، وصنف حمله الطمع والجشع للفوز بمكانة أو وظيفة توفّر له راحة مادية ووجاهة اجتماعية ولم يدُر في خلد هؤلاء  أنّ الطاغية ليس غير نمر من ورق وأنّه إلى زوال. وصنف ثالث آثر الصمت والجلوس على الربوة واغتيال الوقت على أرصفة المقاهي المنتشرة. وهذا النوع منتشر بكثرة،  ولكن ثمّة صنف آخر آمن بآرائه وواجه الاستبداد بشتى الوسائل فكان نصيبه التهميش والنفي والحرمان والتعذيب والاضطهاد النفسي والمادي.  وهؤلاء يستحقون التقدير والاحترام . والحمد للّه أن ثورتنا لم تتورط فيما تورطت فيه ثورة ليبيا واليمن وسوريا لأننا رزقنا سلطة جبانة عرف أصحابها أنّهم مورطون في الفساد حتى النخاع فألقوا سلاح المقاومة ولم يهيئوا أنفسهم لهذه المواجهة. وإذا كان لا بدّ من محاسبة المفسدين في الأرض والذين امتصوّا دماء الكادحين وأزهقوا الأرواح البريئة ، فلا بدّ أن نرتوي من النقد الذاتي وتتّسع قلوبنا وتكون رحبة مؤمنة بقيم التعاون والتكامل رغم الاختلاف. ولن تزدهر ثقافة أو تتطور حضارة بعيدا عن التنوع والتعدّد، والتاريخ شاهد على مراحل الصراع الفكري الذي أثمر حضارة عظيمة.  ولا ننسى أن "أقربكم إلى الله ، أنفعكم إلى النّاس"