مواقع صديقة

علي الفزاني أو ظمأ الشاعر إلى الحياة

انتباه، فتح في نافذة جديدة.PDFطباعةأرسل إلى صديق

التحديث الأخير (الثلاثاء, 30 تشرين2/نوفمبر 1999 00:00)الكاتب: Administratorالثلاثاء, 01 تشرين2/نوفمبر 2011 19:57

نص التمهيد الذي ورد في كتابي "علي الفزاني شاعر أرهقه حبّ الحياة"


علي الفزاني شاعر أرهقه حبّ الحياة [1]

كان نعي الشاعر الليبي علي الفزاني [2] مفاجئا ككلّ أخبار الموت التي تأتي دون استئذان. وكنت منذ مدّة قريبة هيّأتُ النفس لمراجعة رسالة جامعية كتبتها عنه  منذ أكثر من عشرين عاما، وعقدت العزم على نشرها. وقد آلمني خبر النعي وأنا أقرأ في جريدة "العرب" خبرا عن "أربعينية الشاعر علي الفزاني" في بنغازي، فجعلني أحسّ بالتقصير نحوه، وقد كان راسلني أكثر من مرّة راغبا في أن يرى الدراسة عنه منشورة.

ومن أسباب الألم الأخرى أنّ أكثر من أربعين يوما قد مرّت على وفاة شاعر قريب إلى نفسي من غير أن أكون على علم، وأنا الذي تعوّدت على متابعة الأخبار الثقافية والأدبية في مختلف وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة وفي الأنترنت. ولو سألنا عددا وافرا من مثقفينا عن هذا الشاعر لأصابتنا خيبة أمل، أَفضلُ منها أن لا نسأل أحدا. ولو كان الفزاني مهرّجا أو مطربا شعْبَوِيا أو لاعب كرة لكانت أخباره تملأ الدنيا وتشغل الصغير والكبير...

لم تكن لي معرفة سابقة بالشاعر ولا بشعره حين عزمت على إنجاز شهادة الكفاءة في البحث بعد التخرّج من دار المعلّمين العليا بتونس. وأذكر أنّ من أساتذتي من سعى إلى توجيهي إلى دراسات أخرى  عن بعض أعلام الكتابة في تونس في مرحلة ما بين الحربين ، لكنّ التنقيب والبحث في المكتبة العمومية بمدينتي طبلبة جعلني أكتشف هذا الشاعر من خلال ديوانيه "رحلة الضياع" و "أسفار الحزن المضيئة". وعرضت الأمر على أستاذي الدكتور رضا السويسي وكان قد درّس سنوات في ليبيا، فقبل الإشراف على البحث وتمّ التسجيل في كلّية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس في بداية سنة 1977.

وبعد التقدّم في البحث حرصت على أن ألتقي الشاعر، فكانت الرحلة إلى ليبيا. وصادف يوم الوصول وجود أجواء استثنائية نتيجة الغارة الجوية المصرية على مواقع ليبية في جويلية 1977، استعصى معها الوصول إلى بنغازي مقرّ إقامة الشاعر. وغاية ما تمكنّت منه  كان الحصول  على الأعمال الشعرية الكاملة وقتها.

ورجعت أجرّ أذيال الأسف لعدم قدرتي على تحقيق رغبتي المتواضعة كاملة. ومع هذا فقد تفرغّت إلى البحث وأنجزته في موعده وناقشته في نوفمبر 1977 وتركبت اللجنة من الأساتذة منجي الشملي رئيسا ورضا السويسي مشرفا ورياض المرزوقي عضوا. وكان بودّي لو كان الشاعر علي الفزاني حاضرا، وقد كان على علم بالبحث بعد أن قابله الدكتور رضا السويسي على هامش مؤتمر الأدباء العرب (طرابلس – سبتمبر 1977) وحدّثه عن موضوع الدراسة القائمة على دراسة شخصية الشاعر من خلال ديوانيه الأول والثاني.

ووصلتني نسخة مهداة بخطّه من ديوانه الجديد "مواسم الفقدان"  وقد صدر صيف 1977 بعد عودتي إلى تونس.

ومرّت الأيام والسنوات سريعة دون أن يجمعنا لقاء ولم تسعف الظروف السياسية على تحقيق التواصل. وقادتني رحلة العمل إلى المغرب الأقصى، أين قضيت ثلاث سنوات. وكان لا بدّ أن أنتظر شتاء 1990 لألتقي الشاعر علي الفزاني في تونس على هامش مؤتمر الأدباء العرب. وكأنّ قدر الأدباء والمشتغلين بالأدب العربي أن لا  يلتقوا إلاّ في مثل هذه الظروف الخاصّة والنادرة، مناسبة المؤتمرات واللقاءات الرسمية.

كان اللقاء حميميا وكأننا كنّا على موعد مسبق, وأذكر أنّه حال عرف هوية مخاطبه ضرب على جبينه بجمع كفّه وترك جلسته مع أصدقائه وجُلاّسه وكان العناق الحارّ وكأننا كنّا التقينا من قبل وغبنا زمنا طويلا.

كان رحمه الله سعيدا باللقاء وانتحينا جانبا في فندق قصر الشرق لنتحدّث عن البحث وآفاقه. أعطيته فكرة عمّا تمّ إنجازه  في دراسة تجربته الشعرية في أبعادها الذاتية والاجتماعية والوطنية والإنسانية إضافة إلى أهمّ  تجربة وهي التجربة الفنّية المتّصلة بمعاناة الكتابة والإرهاص الشعري والبحث عن أجمل الصور وأعذب الإيقاعات.

حدّثته عن رغبتي في الحصول على بقية مجموعاته الشعرية ورغبتي في مواصلة دراسة ما فاتني حتّى تتّضح الصورة عن تجربته وهو الشاعر الرائد.

كان علي الفزاني شديد الحرص على أن أزوره في بنغازي لأعرفه عن قرب وكان يقول "عرفتني من خلال قصائدي، والآن عليك أن تعرفني في حياتي اليومية والعائلية لتتّضح لك الصورة أكثر"، وحدّثني عن أبنائه وتواعدنا على أن نلتقي في بعض المهرجانات القادمة. لكنّ شيئا من هذا لم يتحقق لأنّ الظروف لم تكن ملائمة من نواح عديدة، ولم يكن بإمكاني أن أشارك في هذه المهرجانات لبُعدي عن الهيئات التي تعوّدت على المشاركة في اللقاءات الأدبية وخارجها.

لقد كان يتحدّث مسكونا بألم كبير تحسّ وأنت تصغي إليه أنّ به ظمأ شديدا للحرية والحياة بكلّ أبعادها. بدا وكأنّه لم يرتو بعد من مباهج الحياة .

كان مسكونا بالوطن حدّ النخاع وكان كما عرفته في شعره مهموما بأكثر من قضيّة حضارية وأدبية ووجودية. كنت أستمع إليه وأنا أستحضر قصائده في "رحلة الضياع" و"أسفار الحزن المضيئة" وفي القصائد المهاجرة  و"مواسم الفقدان" ...إلخ،  وكأنّها كُتبت قبل أيام وهو يرتجلها لأول مرّة.

كان الوجع هو الوجع، والهاجس هو الهاجس، والأمل هو نفسه قديما أو حديثا. هل هي الدنيا لم يتبدّل فيها شيء من ثلاثين عاما ؟ أم نحن الذين بقينا على حالنا لم نتغيّر؟

لقد كان به ظمأ إلى أن يكون السندباد على مدى الأيام حقيقة لا مجازا...

ورغم رحلاته العديدة، كان يعبّر عن رغبته في أن يهيم على وجهه في أرض الله الواسعة من غير قيود أو حدود...

حدّثني يومها عن أصدقاء له من أهل الأدب، وعن شعراء ورسّامين أكلتهم المنافي والغربة وأشياء أخرى ... وكان يميل أحيانا إلى التزام صمت مفاجئ. كان صمتا صارخا يختمه بآهة تهدّ الجبال، أُحسُّ معها برغبته في أن يفصح عن أشياء كثيرة كانت منسجمة مع ما في شعره من دعوة إلى الحرية وإيمان بالإنسان العربي، ومن شغف إلى النهل من مباهج الدنيا وخيراتها.

كانت دعوته في نفس الجلسة إلى الانطلاق  تتكرّر... كان يريد أن يترك الفندق ويذهب بعيدا في قاع المدينة .. ولكن كيف لي أن أحقق له هذه الرغبة في هذا المساء الشتوي؟ وإلى أين يمكن أن نمضي بالسيارة في هذا الوقت؟

أدركت يومها أنّ الشاعر علي الفزاني لم يأخذ حظّه كاملا رغم حفلات التكريم والتوسيم وهو الذي وهب حياته للشعر ولم يجن منه إلاّ وعيا حادّا بالغربة، وظمأ متزايدا للحياة. وعلى امتداد أيام مؤتمر الأدباء العرب ذاك لزم علي الفزاني غرفته بالفندق ولم يخرج إلاّ في فترات قليلة. وانتظرت أن أراه في الأمسية الشعرية كما كان مبرمجا في مطوية المؤتمر، لكنّ لم يكن حاضرا حين نودي عليه للقراءة. لعلّه كان معتكفا بغرفته، ولم أشأ أن أقتحم عليه عالمه واكتفيت باللقاء اليتيم، فكأنّ اللقاء كان وداعا.. وكان الأول والأخير.

كنت على امتداد السنوات العشر المنقضية أتسقّط أخباره من أصدقائه. سألت عنه فرج العربي ومفتاح العماري وعبد الرسول العريبي حين جاؤوا إلى المنستير للمشاركة في ملتقى أدب التسعينات. وسألت عنه الدكتور خليفة التلّيسي أكثر من مرّة ، فكان يجيبني عنه بإطناب ونتذكّر طرائفه ونغرق في الضحك وكأنّه معنا.

وجدته كما تصوّرته من خلال ما رسمه عن نفسه في شعره غير حريص على الأناقة وشروط الوسامة، وكما صوّره لي الدكتور التلّيسي حين سألته عنه في المؤتمر باعتباره رئيس الوفد الليبي.

ما الذي يحضرني الآن وأنا أعبّر عن تقديري الكبير لشاعر كبير... عناوين قصائده التي لم أتمكّن من الحصول عليها كلّها... ضحكته المجلجلة... مقاطع من شعره ردّدتها مرارا وتغنّيت بها كثيرا وقرأتها في إذاعة المنستير في أكثر من مناسبة، وأكثر من برنامج...

"رحلاني في بحار الكلمات

رحلات السندباد، تاه حينا ثمّ عاد

بخطى تدمى ولحن مستعاد

واستحال الشوق والحرف رماد "

ومن قصيدة أخرى:

"ها أنا والشكّ دربي، والخطايا، وصليبي في يديّه

وظلالي هازئات بالذي كان .. وما ظلّ لديّه

ما الذي ظلّ لديّه ؟

أغنيات ... كلمات  في صداها

كلّ حزن البشرية"

هل كان قدر الشاعر علي الفزاني أن يعيش في زمن الهزائم العربية فكان صداها في شعره واضحا طبعته بقتامة وتمرّد ورفض لهذا الواقع المهين، لذا كان امتداد الشاعر يتجاوز الحدود الليبية ليترجم عن الهموم والأحلام العربية والإفريقية :

"قبائل عاد وثمود

ولد الإنسان حرّا قبل إعصار الجليد

خلفاء الشرق ماتوا قبل عثمان الشهيد

آه يا جرحي العتيق

أين هارون الشقيق

ليحلّ العقدة الصمّاء من حرفي وفي غوري السحيق

... هل يعود النّسر خفّاق الجناح

فوق يافا ورباها ؟

هل ترى ذاك الصباح ؟

أسلمتنا سنوات الحزن لليأس فذرنا

نصنع الثّار أنينا وعويلا ونواح"

رحم الله الشاعر علي الفزاني، فقد كان يريد أن يتداوى من الحياة بالحياة... وعاش ومات وبه من جراح لم تسكن، وظمأ للحياة لم يرتوِ، لكنّ عزاءَه وعزاءَنا أنّه ترك مدوَّنة ذات بال صادحة بالآلام والآمال، تنفتح على دراسات عديدة نرجو أن تتحقق لتدرك الأجيال القادمة قيمة هذا الشاعر الذي كان لسان حاله ولسان حال أكثر من جيل في ليبيا وفي العالم العربي.



[1] - كلمة كتبتُها يوم علمت برحيل الشاعر علي الفزاني، أطلقت فيها العنان لتداعيات لا تسمح بها الدراسة الأكاديمية عن علاقتي بالشاعر وقصّة لقائنا اليتيم، ونشرتها جريدة "العرب" بتاريخ 12 جانفي 2001.

[2]علي الفزاني: - من مواليد قرية صرمان غرب طرابلس ليبيا عام 1935 . نشأ نشأة دينية محضة وحفظ القرآن في الثانية عشر من عمره، تلقى بعض علوم الفقه على يد والده و درس أصول الفقه في المعهد الديني فور تخرجه من معهد التمريض عام 1953 . نزح إلى بنغازي عام 1947 وانخرط في الأعمال المهنية الصحية .

احترف الصيدلة حتّى عام 1968 والتحق بالمعهد العالي بجامعة الاسكندرية وحصل إجازة في التوعية الصحية .

عمل محررا أدبيا بأغلب الصحف الليبية ومنتجا بالإذاعة، رحل كثيرا وزار أغلب مدن العالم الكبرى

كتبت عنه دراسات مختلفة لكبار النقاد والكتاب والشعراء العرب

من مؤسسي اتحاد الكتّاب الليبيين ومؤسس فرع رابطة الأدباء والكتاب ببنغازي. من مؤسسي اتحاد الكتّاب الليبيين ومؤسس فرع رابطة الأدباء والكتاب ببنغازي.

توفي في سويسرا يوم 27/9/2000  ودفن في بنغازي.

صدرت له:

-        رحلة الضياع 1966 ثمّ 1973

-        أسفار الحزن المضيئة  1968

-        قصائد مهاجرة 1969

-        الموت فوق المئذنة 1973

-        مواسم الفقدان 1977

-        الطوفان آت 1981

-        دم يقاتلني الآن + القنديل الضايع 1984

-        أرقص حافيا  1996

-        طائر الأبعاد الميّتة  1996

-        فضاءات اليمامة الزرقاء 1998

 

[3] - تمّت مناقشة العمل في نوفمبر(تشرين الثاني) 1977م  وتركبت اللجنة من الأستاذ منجي الشملي رئيسا والدكتور رضا السويسي مشرفا والأستاذ رياض المرزوقي عضوا.

[4] - ذكر العديد من الأصدقاء الليبيين أن الشاعر علي الفزاني  دعا أصدقاءه  وخلانه إلى وليمة بعد أن علم بمناقشة هذا البحث الجامعي.