مواقع صديقة

مرآة الأحوال

انتباه، فتح في نافذة جديدة.PDFطباعةأرسل إلى صديق

التحديث الأخير (الثلاثاء, 01 تشرين2/نوفمبر 2011 20:12)الكاتب: Administratorالأحد, 06 آذار/مارس 2011 20:34

 

 

نشأت فكرة إصدار هذا الكتاب وأنا بصدد إكمال تحقيق مخطوط "حكاية كشف خبيّات الأقوال عن نظم مرآة الأحوال" بعد أن شغلتني عنه أمور كثيرة متنوعة. ولمّا قاربت من الانتهاء عنّ لي أن أفكّر في نشره.

وتذكّرت في الأثناء المرحوم محمد الصالح مزالي وكان قد قدّم لي نسخة من هذا المخطوط، فقرأناه معا واستطرفنا ما جاء فيه ووعدته بأن أبذل جهدا في إخراجه للناس بعد تفصيل ما أُجمل وإيضاح ما غمض.

ومرّت الأيام، وانشغلنا معا في تعريب كتاب قويدو مدينه "المنستير أرض من تونس" ونشرناه سنة 1999. وكنّا ننوي القيام بأعمال أخرى مشتركة لكنّ إرادة الله هي الغالبة، إذ فاجأنا مرض الأستاذ محمد صالح مزالي ورحيله المفاجئ في 13 أوت 2002 مخلّفا حسرة في النفوس ولوعة في قلوب أهله والأصدقاء. كان رجل تربية تعلّمنا منه العلوم الطبيعية وأحببناها، لقد وهب حياته كلّها للتعليم والتأطير البيداغوجي من خلال التفقد. وكان مثقّفا طُلعة، شغوفا بالقراءة باللسانين العربي والفرنسي، ولم يكن يبخل بشيء من العلم فقد أطلعني منذ الثمانينات على مخطوطة أنيقة بخطّ مغربي من كتاب عبد الرؤوف المناوي(952 -1031 هـ)"التوقيف على مهمّات التعريف" وشجعني على تحقيقه وهو كتاب أشمل وأعمق من كتاب التعريفات للجرجاني. ووجدت الأمر طريفا فهي نسخة فريدة في تونس، في حالة حسنة وقارنت بينها وبين نسخة أخرى موجودة في ميكروفيلم بالمكتبة الوطنية بباريس فوجدت النسخة التونسية أكمل وأشمل، وقمت بتحقيق الباب الأول والثاني(حرفي الألف والباء)،غير أني توقفت عن العمل لمّا وجدت نسخة مطبوعة حديثا في مصر[1] ويبدو تحقيقها هزيلا كاد يعيدني إلى متابعة ما بدأته لو أني لم أجد طبعة حديثة محققة تحقيقا علميا ومنشورة في سوريا.[2]

وتواصلت علاقاتنا الأدبية، وجاء هذا المخطوط حكاية نظم الأقوال،ومخطوطات أخرى أغلبها مطبوع كالبديعيات وبعض كتب البلاغة وشرح  لقصيدة كعب بن زهير، وقصيدة لحسين الجزيري عن الحرب الليبية الإيطالية سنة1911، وبعض مراسلات البايات والعمّال في القرن التاسع عشر مما ورثه عن أجداده. فكان لا بدّ من لمسة وفاء وتقدير لهذا الرجل الذي فتح لي بيته ومكتبته، فخطرت لي فكرة أن أضمّ هذا التحقيق إلى الحوار الذي أجريته في صائفة 1995 مع الأديب ورجل التربية محمد العابد مزالي قبل أن يغادرنا بعد رحلة مع الحياة حافلة بالعطاء.

ولا أذكر أنني كنت قابلت من قبل محمد العابد مزالي لكنّي قرأت له منذ سنوات طوال رواية "على مرقص الأشباح" وأعرف من أحاديث الناس أنّ هذا الرجل من مواليد 1906 وكان ثاني أستاذ مبرّز في البلاد التونسية بعد محمد عطية (مدير الصادقية سابقا) وأنه كان الرجل الثاني في وزارة المعارف وأنه أدخل تعليم المرأة ودافع عن العربية في التعليم. وسُمّي سفيرا لتونس بإسبانيا بعد الاستقلال لكنّه لم يباشر المهمّة لأسباب يضيق المجال عن الدخول في تفاصيلها، ثمّ تفرغ للعمل مستشارا لدى اليونسكو بسويسرا.

وفي سنة 1991 منحه الرئيس زين العابدين بن علي الصنف الأعلى من وسام الاستحقاق التربوي تقديرا لخدماته السابقة في ميدان التربية والتعليم.

وهذا الحوار مع الأستاذ محمد العابد مزالي ما كان ليكون لو لم يأتني هدية من أستاذي محمد الصالح مزالي فقد جاءني ذات صباح ذات صباح من أواخر جويلية 1995 ليسألني:

- محراب الكتاب مازال موجودا أليس كذلك؟

- نعم مازال كالعادة في نفس التوقيت بإذاعة المنستير.

- سي العابد هنا في المِسْتير. يقضي أياما للراحة.. ما رأيك في إجراء حوار معه؟

لا أذكر بدقّة كيف كان ردّي، ربّما لم أستوعب في البداية عبارة "سي العابد" فقد كانت مفاجأة. ولمّا تمثّلت الأمر، تهيّبته وأنا الذي حاورت في "محراب الكتاب" عشرات ومئات الضيوف والأعلام من تونس وخارجها. فأعطيت موافقتي واستأذنته أياما قليلة أعدّ فيها نفسي للحوار ومراجعة "على مرقص الأشباح " و"كانوا ستّة على مفترق الطرق" ومدّني سي محمد الصالح بنسخة من كتاب La pensée Arabe à la croisée des chemins   ونسخة من "كتاب العلم" للمحاسبي وأعددت نفسي للحوار. وحين اتصلت بإدارة الإذاعة وجدت ترحيبا كبيرا من الصديق كمال الغمراسي فقد تحمّس لإجراء اللقاء واعتبره وثيقة هامة تثري الأرشيف الوطنيa restera un document pour l'archive nationale ç

وقابلت الرجل قبل يوم من التسجيل وتحادثنا في مواضيع شتّى. كان مهيبا، جليلا، عالما، يذكر أدق التفاصيل، وكأن الزمن لم يؤثر فيه وكان رحمه الله في صحة جيدة رغم بلوغ التسعين، واضح النبرات، في صوته صرامة تترجم جدّيته في القول والعمل.

وصباح 4 أوت حملنا أدوات التسجيل وحرصت على أن آخذ معي آلة التصوير، لأقبض على هذه اللحظة التاريخية تقديرا منّي للرجل وعلمه واعتزازا بجلوسي إليه. إنّه عملاق بحقّ، أكبر من النجوم الذين يملؤون الساحة الأدبية والفنية.

وحين جلست إليه تذكرت لقاءات سابقة مع محمد أركون ومطاع صفدي وتوفيق بكار ومحمود أمين العالم وغيرهم من أعلام الفكر والأدب الذين مرّوا من محراب الكتاب.

كان الحوار في ساعة ونصف ساعة وهي التوقيت الطبيعي للبرنامج، وكان بودّي لو أنّي فزت بأكثر ما يمكن من الحديث غير أنّي لم أشأ أن أرهقه فقد   تجوّلنا في حوارنا بين مختلف مراحل حياة مليئة بالعمل والإنتاج عمل فيها الرجل على نفع البلاد والعباد رغم دقّة الظروف التي عاشها فكان رجل تربية وتعليم، ورجل فكر استطاع أن يقدّم وهو في عزلته بـنوشاتال بسويسرا عصارة تجربته مع الحياة في جملة من الأعمال المخطوطة أرجو أن ترى النور وأن يقول الدارسون فيها قولهم.

وفكّرت في أن أنشر هذا الحوار في إحدى المجلات واقترح عليّ الأستاذ محمد الصالح أن يكون في مجلّة الصادقية لأنها تجلّ الرجل وتقدّره وكانت نشرت في أحد أعدادها الأولى قصيدة قالها الشاعر محمد الهاشمي زين العابدين في تكريم محمد العابد مزالي حين حصل على الوسام الأكبر للاستحقاق التربوي سنة 1991. وانشغلت عن النشر بجملة من الالتزامات العلمية والثقافية. واليوم أجد فكرة نشر الحوار مع تحقيق المخطوط تلحّ عليّ لأن الذي يجمع بينهما كثير، وأهمّه أنّ مصدرهما واحد وهو الأستاذ محمد صالح مزالي المتفقد العام للعلوم الطبيعية وأستاذي في قسم الباكلوريا وهو جدير بأن نحفظ ذكراه ونقدّر ما قام به، ونشجع في الوقت نفسه غيره ممن لهم مخطوطات على أن يقدّموها لأهل الاختصاص حتّى لا يأتي عليها الزمن.

ومن شأن هذا العمل أن ينفض الغبار عن رزق الله حسّون وهو علم في تاريخ الثقافة العربية في المشرق لم يعش طويلا، لكنّه كان من روّاد الصحافة العربية وقدّم الكثير. وقد لا نتفق مع مواقفه ومع جملة من كتاباته، لكنّ حياته وآثاره تستحقّ أن نعيرها من الاهتمام ما نالته أعمال معاصريه من أمثال أحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني.

وأما محمد العابد مزالي فأخشى أن يطوي النسيان ديوان شعره ومخطوطاته العديدة في عصر توفرت فيها ظروف النشر المحمودة. ومن حقّه علينا أن ننزله المنزلة الأدبية التي هو جدير بها باعتباره من أعلام التربية والثقافة وشاهدا على عصر صاخب بالأحداث والتطورات على امتداد القرن العشرين، ونرجو من نجله توفيق أن يعمل على نشر إنتاج والده رحمه الله خدمة له وللثقافة والفكر في بلادنا وذلك عين البرّ والوفاء.

محمّد البدوي



[1] عبد الرؤوف المناوي  ، التوقيف على مهمّات التعاريف  تحقيق د.عبد الحميد صالح حمدان. نشر عام الكتب القاهرة ط1  .1990. 393ص.

[2] عبد الرؤوف المناوي ، التوقيف على مهمّات التعاريف. تحقيق د.محمد رمضان الداية. نشر دار الفكر المعاصر بيروت ودار الفكر دمشق.783ص.