مواقع صديقة

رؤى الحسن الوزان لمحجوب العياري

انتباه، فتح في نافذة جديدة.PDFطباعةأرسل إلى صديق

التحديث الأخير (الأحد, 30 تشرين1/أكتوير 2011 21:27)الكاتب: Administratorالثلاثاء, 08 آذار/مارس 2011 00:22

 



"رؤى الحسن الـوزّان" لمحجوب العياري



(... عندما يلوح لك ضيق عقول النّاس ، فقل لنفسك أرض الله واسعة ، ورحبة يداه وقلبه. ولا تتردّد قطّ في الابتعاد إلى ما وراء جميع البحار ، إلى ما وراء جميع التّخوم والأوطان والمعتقدات...)

أمين معلوف (رواية : ليون الإفريقي)


الآن  تسلّمنا الهجرات إلى أرض أخرى

سنلوذ ببيت قرب البحر كعادتنا

في اليوم الأول ،

سوف نطوف بخمّارات مدينتنا،

في اليوم الثاني ،

قبل الشمس ، نؤمّ مساجدها

وكنائسها

ومقامات الخلّص فيها...

سوف  نخرّ بُكيّا عند مداخلها

وسنغسل ما اقترف القلبان بدمع الصدق :

سنشعر أنّ الله قريب منّا أنّى كنّا .

ثالث يوم ، نوغل في عطر الأسواق :

شميم القهوة عند الفجر سينعشنا ،

عبق الحنّاء المشرق

فوق أكفّ صبايا لسنا نعرفهنّ

سيُحيي ما كادت تغتال الهجرة فينا ،

والأحزان ، وغربتنا ...

لن يغرينا الخزّاف ،

ولا القمّاش

ولن نتوقّف عند مجلّ الفضّة

أو في سوق الشواشين ...

أمام محلّ الورد سنرخي للأحلام أعنّتها:

سنؤلّف باقات كصباح الصيف...

ونحلم بامرأتين لبوح الورد...

وغربتنا .

ليلا سيجيء  الحان كعادته

غرباءُ وبحّارون

سينضمّون إليه بدورقه المتفايض

و"الوزّان" سيهتف في فرح :

- " يا نادل  هات كؤوس الفضّة

هيّئ  لحم الطير وما عتّقت من الجرّات

وحرّق في الأرجاء العنبر ...

فالندماء الليلة ضيفي."

سيمرّ الليل وئيدا

و"الوزّان" سيقرع كاسات النُّدمان ...

غريب سوف يحدّث

عن أوجاع العشق

ويروي كيف عصاه القلب

وطار هناك إلى ليلى

بحّار حطّ الشيب على فُوديه

سيحكي عن أوجاع البحر

وعن سفن أسٍْرت بالأهل

وما عادت...

الريّس سوف يملّي دورقه الظمآن

ويكشف عن وشم ورديّ الزرقة

خطّته عروس البحر على يُمناه

وكانت تعشق بوحا في عينيه ،

وتأتي مركبه الكُحليّ مساء

لا يثنيها عسَسٌ أو أمطار

سيمرّ الليل وئيدا

و" الوزّان "  سيُدني الريّس منه

سيقرع كاسات النُّدمان

ويحكي عن شطآن كان أحبَّ

وعن شُطآن سوف يُحبُّ

وعن شطآن لم ينصفها الغيم ...

فما انتعشت.

لسنينَ و "الوزّان" يعاشر ملح البحر :

أحبّ مدائنَ حدّ الدمع ...

وظلّ بلا وطن:

- وطن "الوزّان" الأرض جميعا

و"الوزّان" أحبّ نساء:

بكرا في غرناطة ، غانية في فاس

خجولا في تمبوكتو ،

أرملة في قاهرة العثمانيين ...

وراهبة في روما !

- كم قد حُمّل قلبك يا "وزّانُ"

ألا ألقيت عصا الترحال قليلا !!!

سيمرّ الليل وئيدا

ربُّ الحان سيصبح واحدا منّا

سيُقبّلُ ناصية الـ"وزّان" ويهتف:

(طهر هذا الحان،

مقدّسةٌ هذي العتبات ، فلن يغشاها

غير الخلّص من عشّاق البحر

وكلّ فتى أضناه الوجدُ

وحرّقه التَّسْآلُ  فصار فتى شتّى) !!

الآن يُسلّمني شطّ لشواطئ لا شطآن لها

في رُؤيايَ  ، الليلة جاءت أمّي

قدِمت  في كامل زينتها ،

باست رأسي

أخذت كفّي وقالت :

- يا ولدي :

(الأرض  إذا ضاقت ،

بدّلها

وارحلْ خلف تخوم أخرى

لا تثريب عليك وحيدي

واعلم أنّ قلوب النّاس إذا فسُدت

أو أنكرت الآيات تلوح على كفّيكَ

فقلبُ الله يظلّ الأرٍحبََ

كفّ الله تظلُّ الأندى

أرض الله تظلّ الأوسع...

فاضرب فيها ،

واجعل هذا البحر صَفيَّك ...

كن ولدا لقوافلَ لا ترتاح

وعبدا للهجْرات ...

تكُنْ ملِكا

ولدي:

كُنْ أكبر من كلّ الأوطان ...

تكُنْ ملكا !!!)

شتاء 1997